صندوق الذكريات - صحيفة نبذة الإلكترونية التخطي إلى المحتوى
صندوق الذكريات

صندوق الذكريات

كنت دائما أنتظر اليوم الذي يمكن أن أدخل فيه غرفة جدتي التي كانت تشبه متحفا صغيرا يُظهر بوضوح

ميلها إلى تخليد اللحظات والاحتفاظ بأشياء كانت تبدو لي غير ذات أهمية، حيث كان يعني لها الكثيرَ أن تحيط

نفسها بمقتنيات ترى أنها جميلة، فكانت تحرص على أن تكون لها من كل شخص تحبه أشياء شخصية قديمة،

كسجادة للصلاة أو طربوش تعود ملكيتهما إلى أبيها، ويمكن أن تجدها تمتلك مصاغا لأمها انقرض شبيهه من الوجود. وبالرغم من أنها أشياء غير ذات قيمة مادية، فإنها تخلد، بشكلٍ ما، تداخل حياتهابكل من يشغل مساحة

من الود في قلبها.
أهم شيء في هذا المتحف/الغرفة هو الصندوق القديم الذي كانت تحرص على ألا يقترب منه أو ينتهك حرمته 

أحد. كنت أشاهدها تفتح هذا الصندوق المحاط بكل السرية والقداسة، وتبدأ في تأمل كنز الذكريات

الذي ترعاه مثل نبتة وتغلق عليه بإحكام. وحين تبدأ في نثر محتوياته بتأن، تبدو وكأنها تبعث الحياة في ذكرياتها

مع أشخاص غادروا الحياة. وأحيانا، أشعر بالرهبة وأستغرب كيف كان بإمكانها أن تقيم كل هذه الألفة مع أشياء

الموتى، وأندهش من قدرتها على التآلف مع فكرة الموت والتعامل معها بكامل تلك الطمأنينة والإيمان،

ومن قدرتها كذلك على الاستئناس بها وتحويلها إلى حكايات وذكريات. الجميع، أمواتا وأحياء، كان لهم معها

ذكرى مادية ملموسة تشتمُّها وتربت عليها كلما عصفت بها مواسم الحنين.

صندوق الذكريات




هذا الصندوق، الذي كان واحدا من بين أشياء كثيرة تمكن امرأة عجوزا من تحنيط ذكرياتها،

مختلف تماما عن الصناديق التي نحفظ بها نحن الجيل الجديد ذكرياتنا، لأننا مختلفون تماما في الطريقة

التي نرى ونرعى بها تاريخنا الشخصي. وأغلبنا يخزن الذكريات داخل مساحات إلكترونية لا تشبه تلك التي

استعملها آباؤنا وأجدادنا.

اليوم، لو سألت الناس أين يحتفظون بذكرياتهم الثمينة سيعرضون عليك أقراصا مدمجة وهواتف محمولة،

وكلها صناديق تقوم مقام تلك التي امتلكها أجدادنا وخلدوا بواسطتها لحظاتهم. صناديق ذكرياتنا تتغير

وتتحول كل يوم، لأنها توجد اليوم على علب الرسائل التي لها ربما القدرة على تحمل عدد هائل من الذكريات

والصور والفيديوهات، لكنها مع ذلك تشعر الإنسان بأن وجودها غير حقيقي، وأن هناك شيئا ناقصا وغير مكتمل

لأنه لا يمكننا أن نلمس هذه الذكريات والصور أو نتحسسها؛ ولا طريقة لدينا لكي نشتم فيها رائحة ما،

وليس لها وجود مادي لأن معظمها افتراضي أو رقمي، كما أنها هشة يمكن أن تخترق عبر مجهود بسيط أو قد تضيع

إلى الأبد وتتعرض للتلف أو التجسس والعبث بها من قبل الفضوليين.

شيء مقلق أننا نتحول في كل لحظة، اليوم، دون أن نشعر إلى العيش في العالم الافتراضي، ولدينا أصدقاء

افتراضيون، وجيراننا لا يعيشون في منازل من أسوار وغرف من إسمنت وحديد، بل أسوارهم توجد على

الفيسبوك، وهم على كثرة عددهم وقدرتنا على التواصل معهم عبر كل قطعة في هذا العالم، فإننا أحيانا نحس

بأنهم ليسوا حقيقيين، وقد يضيعون من بين أيدينا في أي وقت دون أن يتركوا أثرا لوجودهم، وتتحول ذكرياتنا

معهم إلى ما يشبه بخارا رقميا مهددا بالتبدد التام. غير أن هناك ربما كذلك ميزة جيدة لهذه الحياة الافتراضية،

وهي قدرتها على إعادة الناس إلى العالم الروحي والإيمان بوجود أشياء ومعان وعوالم لا يمكن لمسها،

بعدما بدأت أجيال كثيرة لا تعطي قيمة إلا لما هو مادي، يلمس باليد ويشغل مساحة وربما له رائحة.

صحيفة نبذة الإلكترونية – نضعكم في قلب الحدث ونرصد الأخبار أول بأول التي تشهدها الساحة العربية خاصة أخبار مصر والسعودية، صحيفة نبذة الالكترونية نقدم الخبر بايجاز ليصلك بامتياز

المصدر: متابعات

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.